بكين - أ.ق.ت - فادى لبيب : في وقت تتصاعد فيه المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، لم تعد الطاقة مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت أحد أهم أدوات النفوذ الجيوسياسي .. وبينما تواصل بكين تسجيل أرقام قياسية في بناء محطات توليد الكهرباء، تتزايد التساؤلات حول انعكاسات ذلك على أسواق الطاقة العالمية، وأسعار النفط، وفرص الاستثمار خلال السنوات المقبلة ...
وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن إجمالي القدرة المركبة لتوليد الكهرباء في الصين تجاوز 4 تيراواط (4,000 جيجاواط)، وهو أعلى مستوى في العالم، بما يعادل نحو 30% من إجمالي القدرات الكهربائية العالمية، ويزيد بنحو 1.5 إلى 1.7 مرة على إجمالي القدرات المركبة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين، وفق بيانات الإدارة الوطنية للطاقة الصينية (NEA) ووكالة الطاقة الدولية (IEA).
طفرة غير مسبوقة في الطاقة النظيفة
تستند القفزة الصينية إلى استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بالتوازي مع التوسع في الطاقة النووية وتحديث شبكات نقل الكهرباء فائقة الجهد.
وتؤكد الإدارة الوطنية للطاقة الصينية أن المصادر غير الأحفورية تمثل نحو 62% من إجمالي القدرة المركبة، في مؤشر واضح على تسارع التحول نحو الطاقة منخفضة الانبعاثات، رغم استمرار الصين في تشغيل محطات الفحم لضمان أمن الإمدادات الكهربائية.
القدرة المركبة ليست الإنتاج الفعلي
ورغم ضخامة الأرقام، يلفت خبراء الطاقة إلى ضرورة التمييز بين القدرة المركبة والإنتاج الفعلي للكهرباء.
فالقدرة المركبة تعبر عن الحد الأقصى الذي تستطيع المحطات إنتاجه إذا عملت بكامل طاقتها، بينما يعتمد الإنتاج الحقيقي على عوامل تشغيلية، مثل ساعات سطوع الشمس وسرعة الرياح والطلب على الكهرباء.
وبالتالي فإن ارتفاع القدرة المركبة لا يعني بالضرورة إنتاجًا أكبر بنفس النسبة.
ماذا يحدث في الولايات المتحدة؟
في المقابل، تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) استمرار انخفاض المخزونات التجارية الأمريكية من النفط الخام خلال الأسابيع الأخيرة، لتقترب من مستويات تُعد من أدنى المعدلات الموسمية خلال السنوات الماضية، وهو ما توضحه الصورة المرفقة المستندة إلى التقرير الأسبوعي لوضع البترول الأمريكي (Weekly Petroleum Status Report).
إلا أن هذا الانخفاض لا يعني نفاد احتياطيات الولايات المتحدة، إذ يجب التفرقة بين:
- المخزون التجاري الذي تستخدمه المصافي والأسواق.
- الاحتياطي النفطي الاستراتيجي (SPR).
- الإنتاج المحلي الذي يجعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم بأكثر من 13 مليون برميل يوميًا.
هل تمتلك الصين أكبر احتياطيات نفطية؟
تتداول بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أن الصين تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، إلا أن هذه المعلومة غير صحيحة.
ووفقًا لإحصاءات Energy Institute وبيانات أوبك، فإن أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة توجد في:
- فنزويلا.
- السعودية.
- كندا.
- إيران.
- العراق.
أما الصين فهي أكبر مستورد للنفط الخام عالميًا، لكنها لا تمتلك أكبر الاحتياطيات المؤكدة.
ماذا لو أُغلق مضيق هرمز؟
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة النفط العالمية، لذلك فإن أي تعطيل للملاحة يمثل خطرًا مباشرًا على الأسواق.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أي إغلاق طويل للمضيق قد يؤدي إلى:
- ارتفاع حاد في أسعار النفط.
- زيادة أسعار البنزين عالميًا.
- ارتفاع تكاليف النقل والشحن.
- تسارع التضخم.
- تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
لكن في المقابل، لا يوجد ما يدعم الادعاء بأن إيران كانت قادرة على "إسقاط الاقتصاد الأمريكي"، إذ تمتلك الولايات المتحدة أدوات عديدة للتعامل مع مثل هذه الصدمات، منها الاحتياطي الاستراتيجي، والإنتاج المحلي المرتفع، وإمكانية زيادة الإمدادات من شركائها.
كيف تبدو التوقعات لأسعار النفط؟
يرى محللو الطاقة أن الاتجاهات السعرية خلال النصف الثاني من العام ستعتمد على أربعة عوامل رئيسية:
- تطورات التوترات في الشرق الأوسط.
- قرارات تحالف أوبك+ بشأن الإنتاج.
- قوة الطلب من الصين والهند.
- مستويات المخزونات الأمريكية.
السيناريو الأول: استقرار نسبي
إذا استمرت الملاحة في مضيق هرمز دون تعطيل كبير، فمن المرجح أن يتحرك خام برنت في نطاق 70–85 دولارًا للبرميل.
السيناريو الثاني: تصعيد محدود
في حال حدوث اضطرابات مؤقتة، قد ترتفع الأسعار إلى 90–110 دولارات مع زيادة تكلفة التأمين والشحن.
السيناريو الثالث: مواجهة واسعة
أما إذا تعرضت إمدادات الخليج لتعطل طويل، فقد تتجاوز الأسعار 120 دولارًا للبرميل، مع مخاطر تضخمية وركود اقتصادي في عدد من الاقتصادات الكبرى، وفق تقديرات مؤسسات مالية دولية.
أين تتجه الفرص الاستثمارية؟
في حال استمرار التحول العالمي في الطاقة، يتوقع أن تستفيد عدة قطاعات، أبرزها:
- شركات الطاقة المتجددة.
- مصنّعو معدات الطاقة الشمسية والرياح.
- شركات شبكات الكهرباء وتخزين الطاقة.
- شركات النفط والغاز في حال ارتفاع الأسعار.
- شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، التي تعتمد على وفرة الكهرباء.
في المقابل، قد تواجه شركات الطيران والنقل والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة ضغوطًا إذا ارتفعت أسعار الوقود.
