واشنطن - أ.ق.ت - فادى لبيب : في مشهد يبدو متناقضاً مع التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي يواجهها العالم، تواصل أسواق الأسهم الأميركية تحقيق مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بصورة أساسية بطفرة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ... في وقت تتصاعد فيه المخاوف من استمرار التضخم، وأزمة الطاقة العالمية، والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران والشرق الأوسط.
وخلال الأسابيع الأخيرة، نجح مؤشر إس آند بي 500 (S&P 500) في تسجيل سلسلة من المكاسب المتتالية، محققاً ارتفاعاً للأسبوع العاشر على التوالي، وهو أداء استثنائي يعكس حالة التفاؤل التي تسيطر على المستثمرين رغم الضبابية التي تحيط بالاقتصاد العالمي. كما واصل مؤشر ناسداك التكنولوجي تسجيل مستويات تاريخية جديدة مدعوماً بالأداء القوي لأسهم الشركات المرتبطة بـالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات.
ويرى محللون أن الأسواق الأميركية أصبحت تعيش واحدة من أكثر الفترات إثارة منذ الطفرة الرقمية التي شهدها العالم مطلع الألفية الجديدة، حيث يتدفق رأس المال بوتيرة متسارعة نحو الشركات التي تقود ثورة الذكاء الاصطناعي، وسط رهانات واسعة على أن هذه التكنولوجيا ستغير قواعد الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
لكن خلف هذه الأرقام القياسية، تبرز حقيقة مهمة تتمثل في أن الجزء الأكبر من المكاسب الحالية يتركز في عدد محدود من الشركات التكنولوجية العملاقة، التي تستحوذ على النصيب الأكبر من تدفقات المستثمرين.
ويؤكد خبراء الأسواق أن هذا التركز الشديد في الأداء يثير تساؤلات حول مدى استدامة الصعود الحالي، خاصة إذا لم تتمكن هذه الشركات من ترجمة استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح حقيقية ومستدامة.
وخلال العامين الماضيين، أنفقت الشركات الأميركية العملاقة مئات المليارات من الدولارات على بناء مراكز البيانات العملاقة وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة والبنية التحتية الحاسوبية اللازمة لتشغيلها.
وتتصدر شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية ومقدمو الخدمات السحابية قائمة المستفيدين من هذه الطفرة الاستثمارية، ما أدى إلى ارتفاع التقييمات السوقية إلى مستويات غير مسبوقة.
ورغم الحماس الكبير الذي يحيط بقطاع الذكاء الاصطناعي، فإن عدداً متزايداً من المحللين بدأوا في التحذير من اتساع الفجوة بين التقييمات السوقية الحالية والنتائج المالية الفعلية.
فبينما يراهن المستثمرون على أرباح مستقبلية ضخمة، لا تزال العديد من الشركات في مرحلة الإنفاق الرأسمالي الكثيف على تطوير التكنولوجيا والبنية التحتية، وهو ما يعني أن العوائد الحقيقية قد تستغرق سنوات قبل أن تظهر بشكل واضح في القوائم المالية.
ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان فترات تاريخية شهدت فيها الأسواق موجات من التفاؤل المفرط تجاه تقنيات جديدة، مثل فقاعة الإنترنت (الدوت كوم) في نهاية التسعينيات، عندما دفعت التوقعات المبالغ فيها بأسهم التكنولوجيا إلى مستويات قياسية قبل أن تتعرض لتصحيحات حادة لاحقاً.
وبينما يؤكد مؤيدو الذكاء الاصطناعي أن التكنولوجيا الحالية تمتلك تطبيقات عملية وإيرادات فعلية تختلف عن ظروف تلك الفقاعة، فإن المخاوف من المبالغة في التقييمات لا تزال حاضرة بقوة.
ومن بين العوامل التي تدعم الأسواق حالياً توقعات المستثمرين بإمكانية اتجاه الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى تخفيف السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة إذا استمر التضخم في التراجع. غير أن هذا السيناريو ليس مضموناً بالكامل، إذ لا تزال الضغوط التضخمية تمثل تحدياً رئيسياً لصناع القرار النقدي.
ويحذر اقتصاديون من أن أي عودة قوية للتضخم أو أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية قد يدفع البنك المركزي الأميركي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول أو حتى العودة إلى تشديد السياسة النقدية.
وفي هذه الحالة قد تواجه أسهم التكنولوجيا ضغوطاً كبيرة، نظراً لأن تقييماتها الحالية تعتمد بدرجة كبيرة على توقعات النمو المستقبلي.
وتكتسب أسعار الفائدة أهمية استثنائية بالنسبة لأسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض يؤدي عادة إلى خفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية المتوقعة، وهو ما ينعكس سلباً على تقييمات الشركات ذات النمو المرتفع. ولهذا السبب ينظر المستثمرون إلى قرارات الاحتياطي الفيدرالي باعتبارها عاملاً حاسماً في تحديد مسار الأسواق خلال المرحلة المقبلة.
في المقابل، يرى أنصار الاتجاه الصاعد أن العالم يقف أمام تحول اقتصادي جذري مشابه للثورات الصناعية الكبرى السابقة، وأن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد موجة مؤقتة، بل سيصبح جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية العالمية. ويستند هذا الرأي إلى التوسع السريع في استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل قطاعات الصناعة والخدمات والرعاية الصحية والتعليم والتمويل، وهو ما قد يخلق مصادر جديدة للنمو والإنتاجية على المدى الطويل.
وبين التفاؤل الكبير والتحذيرات المتزايدة، تبقى أسواق الأسهم الأميركية عند مفترق طرق حساس. فالمستثمرون يواصلون ضخ الأموال في شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أملاً في تحقيق عوائد استثنائية، بينما يراقب المحللون عن كثب مؤشرات الأرباح والتضخم وأسعار الفائدة لتقييم ما إذا كانت هذه المكاسب تستند إلى أسس اقتصادية قوية أم أنها بداية لتشكل فقاعة استثمارية جديدة.
ومع استمرار تسجيل المؤشرات الأميركية لمستويات قياسية، يظل السؤال الأبرز الذي يشغل وول ستريت والأسواق العالمية: هل يمثل الذكاء الاصطناعي بداية عصر اقتصادي جديد يدعم مزيداً من الصعود، أم أن الأسواق تقترب من مرحلة تصحيح حاد قد تعيد تقييم التوقعات المفرطة التي سيطرت على المستثمرين خلال السنوات الأخيرة؟
