القاهرة - أ.ق.ت - فادى لبيب : يكتسب الاقتصاد التشاركي مكانة متنامية على خريطة الاقتصاد العالمي، بوصفه أحد أكثر النماذج قدرة على إعادة تعريف أنماط الاستهلاك والعمل، مدفوعًا بتسارع التحول الرقمي وانتشار المنصات الإلكترونية. وفي هذا السياق، أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري دراسة شاملة بعنوان «الاقتصاد التشاركي.. نموذج جديد للنمو في العصر الرقمي»، ترصد أبعاده التاريخية، وقوة انتشاره عالميًا، وتحدياته، والفرص المتاحة أمام مصر لتعزيز موقعها في هذا القطاع الصاعد ...
جذور تتسع .. من “الاستهلاك التعاوني” إلى اقتصاد رقمي عالمي
تشير الدراسة إلى أن الاقتصاد التشاركي لم ينشأ فجأة، بل تطور عبر مسار طويل بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، حين طرح باحثون مثل فيلسون وسبايث مفهوم “الاستهلاك التعاوني” كنقيض لفكرة الملكية الفردية التقليدية. ومع صعود الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات في نهاية القرن العشرين، تحوّل المفهوم إلى واقع تجاري عبر منصات مثل:
- eBay (1995) كنموذج للتبادل بين الأفراد،
- Zipcar (2001) للاشتراك في السيارات،
- Couchsurfing التي رسخت مفهوم الإقامة التشاركية.
وبذلك ظهرت أول ملامح “اقتصاد يعتمد على الاستخدام لا الملكية”، وهو جوهر التحول الذي صنعته المنصات الرقمية لاحقًا على نطاق عالمي واسع.
سوق يتسع وقطاعات تقود .. أرقام تشرح حجم الظاهرة
بحسب الدراسة، بلغ حجم سوق الاقتصاد التشاركي عالميًا 574 مليار دولار في 2023، مع توقعات بنمو سنوي يتجاوز 25% حتى 2025، ما يجعله أحد أسرع الأسواق توسعًا في العالم. وتتقدم أمريكا الشمالية المشهد الدولي بحصة تقارب 38%، بينما تسجل آسيا والمحيط الهادئ نموًا لافتًا قدره 17.8% سنويًا، مستفيدة من التحول الرقمي الواسع.
أما من حيث القطاعات، فتتوزع السوق كالآتي:
- النقل الذكي وتمكين الحركة: 45% من إجمالي السوق
- الإقامة والسياحة: 30%
- القطاعات الأخرى (التعليم – الخدمات المنزلية – الاقتصاد الحر): 25%
ووفق تقارير “Business Research Insights” المتخصصة في تحليل أسواق المنصات، فإن الاقتصاد التشاركي بات “نظامًا اقتصاديًا موازيًا” لا منافسًا فقط، بل محركًا رئيسيًا لخلق وظائف غير تقليدية، وزيادة كفاءة استخدام الموارد، وتحسين جودة الخدمة.
🔗 مصدر داعم:
https://www.businessresearchinsights.com/market-reports/sharing-economy-market-103542
لماذا تحتاج الدول إلى أُطر تنظيمية دقيقة؟
تطرح الدراسة تساؤلًا محوريًا: كيف يمكن للدول ضبط هذا النمو المتسارع دون الحد من قدرته على الابتكار؟
فالاقتصاد التشاركي يعيد صياغة العلاقة بين:
- العامل والمنصة،
- الملكية والاستخدام،
- الدخل والعمل،
- الدولة والمستهلك،
- والمنافسة بين المنصات والقطاعات التقليدية.
ولهذا تؤكد الدراسة ضرورة وجود “نفاذ شرعي واضح” يوازن بين حرية الابتكار وحماية الحقوق، خاصة أن:
- بعض المنصات تخلق منافسة غير عادلة مع قطاعات السياحة والنقل التقليدية.
- العاملين عبر المنصات غالبًا بلا حماية تأمينية أو قانونية واضحة.
- المستهلك بحاجة إلى ضمانات أعلى للثقة والأمان.
- البيانات الضخمة التي تجمعها المنصات تحتاج إلى إطار واضح لحمايتها.
وتشير الدراسة إلى تجربة نيوزيلندا 2024 التي وضعت أول إطار قانوني يُميّز بدقة بين “العامل المستقل” و“الموظف”، بما يحفظ حقوق الطرفين ويمنع التلاعب. وهو مثال يُحتذى به في المنطقة العربية.
فرص الابتكار ومخاطر الانقسام الاجتماعي
تُبرز الدراسة عدة تحديات:
- اتساع فجوة عدم المساواة بين من يمتلكون الأصول ومن يقدمون خدمة بلا أصول.
- ارتفاع حساسية المنافسة مع القطاعات التقليدية.
- مخاطر أمن البيانات في ظل الاعتماد على تقييمات المستخدمين.
- غياب تعريف قانوني موحد للعاملين عبر المنصات.
- إمكانية ظهور احتكارات جديدة نتيجة سيطرة منصات عالمية على أسواق محلية.
لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الاقتصاد التشاركي قادر على إعادة تشكيل هياكل النمو الاقتصادي، وفتح أبواب الابتكار، ودعم الكفاءة، وتعزيز الاستدامة، إذا ما أُدير بإطار حكومي رشيد.
الاقتصاد التشاركي في مصر .. استعدادات ومكاسب محتملة
ترى الدراسة أن مصر تمتلك قاعدة قوية تسمح لها باللحاق بالركب العالمي، لعدة أسباب:
- انتشار الهواتف الذكية ومنصات الدفع الإلكتروني.
- توسع ثقافة الاستهلاك الرقمي عبر الخدمات الحكومية الرقمية.
- وجود قاعدة شبابية واسعة، تُعد الأكثر قابلية لتبنّي العمل على المنصات.
أمثلة مصرية بارزة على منصات ناجحة:
- Orcas (الدروس الخصوصية الرقمية): توسعت منذ 2017 ورفعت الطلب على التعليم عند الطلب.
- FilKhedma (الخدمات المنزلية): إحدى الشركات الرائدة في تقديم خدمات المعاينة والصيانة عبر الإنترنت.
وتوضح الدراسة أن الحكومة المصرية تعمل على خمسة مسارات رئيسية:
- إعداد إطار تنظيمي لبيئة عمل الاقتصاد التشاركي
- تحفيز الاستثمار في الشركات الناشئة عبر ITIDA وبرامج الابتكار
- توسيع برامج تدريب الشباب للعمل عبر المنصات
- تطوير البنية التكنولوجية وشبكات الدفع
- دعم المشروعات الصغيرة لتصبح جزءًا من اقتصاد المنصات
كيف سيكون شكل الاقتصاد خلال العقد المقبل؟
تخلص الدراسة إلى أن الاقتصاد التشاركي ليس “ظاهرة عابرة”، بل ركيزة في الاقتصاد العالمي الجديد، مشيرة إلى أنه:
- يعزز الابتكار والنمو الشامل،
- يرفع كفاءة استخدام الموارد،
- يخلق اقتصادًا أكثر ذكاءً وإنسانية،
- ويعيد تعريف العمل والدخل بشكل جذري.
وتشدد الدراسة على أن مستقبل هذا الاقتصاد مرهون بقدرة الدول - ومنها مصر - على بناء إطار قانوني مرن، تشاركي، عادل، وشفاف، يضمن حماية العاملين والمستهلكين، ويشجع الابتكار، ويحافظ على منافسة صحية بين القطاعات.
