الأحد، 23 أغسطس 2026

الدكتور محمد العريان يؤكد أن الأسواق العالمية أمام اختبار بين قوة الأرباح وتصاعد الديون والتقلبات الجيوسياسية


واشنطن - أ.ق.ت - كتب/ فادي لبيب : قال الدكتور محمد العريان، أستاذ الممارسة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، ورئيس مجلس إدارة Gramercy Funds، وكبير المستشارين الاقتصاديين لدى Allianz ...

إن الأسواق المالية العالمية شهدت خلال الأسبوع الماضي تحركات استثنائية، خلافاً لما جرت عليه العادة خلال فترة الهدوء الصيفي في أغسطس.


وأوضح الدكتور "العريان" أن الأسبوع اتسم بتقلبات حادة في عدد من الأسواق والملفات الاقتصادية، مع عودة التعريفات الجمركية الأمريكية وعوائد سندات الخزانة إلى واجهة المشهد، إلى جانب نشاط أسواق الذهب والعملات المشفرة، واستمرار التركيز على أسعار النفط.


وأشار إلى أن انهيار المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، وما تبعه من فرض تعريفات جمركية أمريكية بنسبة 50%، مع تهديد كندا بإجراءات انتقامية، يمثل مؤشراً واضحاً على تحول الحمائية التجارية من أداة استثنائية إلى عنصر هيكلي في بيئة الاقتصاد العالمي.


وفي أسواق السندات، لفت العريان إلى استمرار التقلبات الحادة في سوق سندات الخزانة الأمريكية، الذي يمثل أحد أهم ركائز النظام المالي العالمي، في ظل صراع بين ارتفاع مستويات الاقتراض العام والخاص، بما يدفع أسعار الفائدة إلى الصعود، ومحاولات حكومية للتعامل مع هذه الضغوط.


وأضاف أن أسواق الطاقة ظلت تحت تأثير التطورات الجيوسياسية، في ظل تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية، واستمرار التوترات الإقليمية والاضطرابات المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي أبقى أسعار النفط تحت المراقبة.


وفي المقابل، استفادت الأصول التي ينظر إليها باعتبارها مخازن بديلة للقيمة من حالة عدم اليقين؛ إذ واصل الذهب ارتفاعه متجاوزاً مستوى 4600 دولار للأونصة، بينما ارتفعت بيتكوين بنسبة 22% إلى نحو 77,200 دولار. كما أنهى خام برنت الأسبوع عند نحو 94 دولاراً للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط عند نحو 86 دولاراً.


ويرى العريان أن معظم هذه التطورات تمثل رياحاً معاكسة للأسهم والسندات، إلا أن قوة أرباح الشركات شكلت عاملاً داعماً للأسهم، وكذلك لهوامش بعض سندات الشركات.


الذكاء الاصطناعي بين وعود الإنتاجية وتكاليف التمويل

وأشار العريان إلى أن التطورات الأخيرة تعكس سباقاً مستمراً بين إمكانية تحقيق نمو أكبر في الأرباح بفضل الابتكارات التقنية المعززة للإنتاجية، وبين التحديات المرتبطة بالتمويل والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.


وأوضح أن الذكاء الاصطناعي وتقنيات المؤسسات من الجيل التالي تحمل وعوداً بزيادة الإنتاجية، وتحقيق أرباح أعلى، وتوسيع هوامش الربحية، إلا أن الانتقال من مرحلة التوقعات إلى تحقيق هذه المكاسب على أرض الواقع لن يكون سهلاً.


وتزداد صعوبة هذا التحول، وفق العريان، مع ضخامة الاستثمارات الرأسمالية المطلوبة لتمويل البنية التكنولوجية الجديدة، في وقت يواجه فيه العالم مستويات مرتفعة من العجز الحكومي والديون.


كما بدأت قضايا أخرى في الظهور بقوة في النقاش الاقتصادي والسياسي، من بينها الضغوط التي تواجه شبكات الطاقة، والمخاوف المرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا على الوظائف.


الاقتصاد الأمريكي .. سوق عمل قوي ودين يتجاوز 40 تريليون دولار

وعلى صعيد البيانات الاقتصادية، أشار العريان إلى استمرار قوة سوق العمل الأمريكي، بعدما تراجعت طلبات إعانات البطالة الأولية الأسبوعية إلى 208 آلاف طلب، متجاوزة توقعات الأسواق والقراءة السابقة.


وفي المقابل، قدمت نتائج الشركات الكبرى صورة متباينة بشأن قوة المستهلك الأمريكي، الذي يمثل أحد المحركات الرئيسية للنمو في الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، مع اختلاف الإشارات الصادرة عن شركات مثل Lowe’s وTarget، بينما مالت نتائج Walmart بدرجة محدودة نحو النظرة الأكثر تفاؤلاً.


لكن التطور الأكثر جذباً للانتباه كان تجاوز الدين الوطني الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار.


ويرى رئيس مجلس إدارة Gramercy Funds أن الوصول إلى هذا المستوى لم يكن مفاجئاً بالنسبة لمراقبي الاقتصاد الكلي، إلا أن سرعة نمو الدين وتكلفة خدمته تظل مثيرة للقلق، مشيراً إلى أن رصيد الدين تضاعف خلال نحو عشر سنوات، فيما ارتفعت تكلفة خدمة الدين خلال العام الجاري بنحو 15%، في وقت تستهلك فيه مدفوعات الفائدة نحو 20% من الإيرادات الضريبية.


بريطانيا وأوروبا أمام ضغوط النمو والإصلاح

وفي المملكة المتحدة، أشار العريان إلى أن ضعف مبيعات التجزئة، التي تراجعت بنسبة 0.5%، إلى جانب تسجيل عجز مالي شهري أكبر من المتوقع، عززا المخاوف بشأن الاقتصاد وسوق العمل البريطاني، وزادا من صعوبة إعداد أول موازنة للحكومة الجديدة.


ورغم تسجيل إيرادات قياسية من ضريبة الدخل، بلغت احتياجات الاقتراض الحكومي خلال يوليو نحو 1.6 مليار جنيه إسترليني، وهو أداء جاء أسوأ من الفائض المحدود الذي كان متوقعاً وفق تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني.


وفي أوروبا، سلط العريان الضوء على خطاب كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، الذي دعت خلاله إلى تسريع الإصلاحات الداعمة للنمو، في ظل تراجع قوة الركائز التي اعتمد عليها النمو الأوروبي خلال العقود الماضية.


ماذا ستفعل الخزانة الأمريكية مع ارتفاع العوائد؟

ويرى العريان أن ارتفاع العوائد طويلة الأجل مجدداً بعد إعلان عمليات إعادة شراء السندات يضع وزارة الخزانة الأمريكية أمام خيارات متعددة، تشمل:


1. توسيع نطاق التدخل في الأسواق المالية.

2. تقديم رؤية أكثر وضوحاً بشأن الإصلاح المالي المرتقب.

3. التكيف مع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة.

4. تركيز السياسات على تخفيف آثار ارتفاع الفائدة عن القطاعات الأكثر حساسية في الاقتصاد والمجتمع.


وأكد أن هذه الخيارات ليست بالضرورة متعارضة، وأن الأسواق ستراقب عن كثب مزيج السياسات الذي ستتبناه السلطات الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.


جاكسون هول .. الأنظار تتجه إلى الاحتياطي الفيدرالي

وفي ختام تحليله، اعتبر العريان أن الكلمة الأبرز خلال الأسبوع ستكون كلمة رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في ندوة السياسة الاقتصادية السنوية التي ينظمها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي بمدينة جاكسون هول في ولاية وايومنج.


وأوضح أن الأسواق ستترقب ما سيكشفه باول بشأن دالة رد فعل الاحتياطي الفيدرالي، وما إذا كان سيقدم إشارات واضحة حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية، إلى جانب القضايا المرتبطة بإدارة الاحتياطي الفيدرالي وعمليات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، بما في ذلك توقعات أسعار الفائدة، وتواتر الاجتماعات وطبيعة المؤتمرات الصحفية.


نظرة أسبوعية على الاقتصاد والأسواق العالمية
الدكتور محمد العريان يؤكد: الأسواق العالمية أمام اختبار بين قوة الأرباح وتصاعد الديون والتقلبات الجيوسياسية
قراءة المقال الكامل

وبحسب الدكتور محمد العريان، فإن الأسواق تدخل هذه المرحلة في ظل مزيج معقد من المرونة الاقتصادية الجزئية، والتقلبات الكلية، وتصاعد مستويات الدين، والتوترات الجيوسياسية، والإنفاق الاستثماري الضخم على الذكاء الاصطناعي، ما يجعل الأسابيع المقبلة اختباراً مهماً لقدرة صانعي السياسات على تحقيق التوازن بين دعم النمو والحفاظ على الاستقرار المالي.