الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

التجارة العالمية تصمد .. والذكاء الاصطناعي بطل الإنقاذ

التجارة العالمية | الذكاء الاصطناعي | مضيق هرمز | الشرق الأوسط 

التجارة العالمية تتحدى اضطرابات الشرق الأوسط .. الذكاء الاصطناعي يقود قفزة آسيوية في الربع الأول من 2026

القاهرة - أ.ق.ت - فادى لبيب : رغم التداعيات الحادة للصراع في الشرق الأوسط والاضطرابات التي أصابت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أظهرت التجارة العالمية قدرة لافتة على الصمود خلال الربع الأول من عام 2026، مدفوعة بصورة رئيسية بالطفرة المتسارعة في الطلب على معدات وتقنيات الذكاء الاصطناعي ...


ووفق أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية (WTO)، ارتفع حجم تجارة السلع العالمية، بعد ضبطها موسمياً، بنسبة 1.9% خلال الربع الأول من 2026 مقارنة بالربع السابق، وبنسبة 3.2% على أساس سنوي. كما ارتفعت القيمة الاسمية لتجارة السلع بنسبة 2% على أساس ربع سنوي و11% مقارنة بالربع الأول من 2025.


الذكاء الاصطناعي يعوض صدمة الطاقة والشحن

المفارقة الأبرز في أداء التجارة العالمية خلال بداية 2026 تتمثل في أن قطاعات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمكنت من تعويض جانب كبير من الخسائر الناتجة عن اضطرابات الطاقة والنقل.


فقد قفزت قيمة تجارة السلع المُمكِّنة للذكاء الاصطناعي بأكثر من 40% على أساس سنوي خلال الربع الأول، وفق منظمة التجارة العالمية، بينما ارتفعت قيمة تجارة معدات المكاتب والاتصالات بنحو 44%، مدفوعة بصورة كبيرة بالطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي.


وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع تكنولوجي منفصل عن الاقتصاد العالمي، بل أصبح أحد المحركات المباشرة للتجارة الدولية، والاستثمار، والطلب على أشباه الموصلات والمعدات الإلكترونية والبنية التحتية الرقمية.


آسيا تتصدر موجة الانتعاش التكنولوجي

كانت آسيا المستفيد الأكبر من طفرة التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث ارتفعت صادراتها بنسبة 12.9% ووارداتها بنسبة 14.6% على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام.


وعلى أساس ربع سنوي، ارتفعت صادرات آسيا بنسبة 5.5% والواردات بنسبة 7.2%، مع مساهمة قوية من الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند وتايوان، في ظل زيادة حركة التجارة البينية الآسيوية المرتبطة بمكونات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.


كما سجلت صادرات آسيا السلعية نمواً بالقيمة بلغ نحو 20% على أساس سنوي، مدفوعة بالمعادن النفيسة والذهب والنحاس والآلات والمعدات الكهربائية والخامات.


وتعكس هذه الأرقام تحولاً مهماً في خريطة التجارة العالمية: فالتوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبح يولد طلباً متزايداً على مجموعة واسعة من السلع، بداية من الرقائق الإلكترونية والمعدات الكهربائية وصولاً إلى المعادن الحيوية ومكونات مراكز البيانات.


كوريا الجنوبية تتصدر كبار المصدرين

كان أداء الاقتصادات الآسيوية واضحاً أيضاً بين أكبر الدول والمناطق المصدرة.


وسجلت كوريا الجنوبية نمواً في صادراتها بنسبة 38.4% على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026، تلتها هونغ كونغ بنسبة 38.3%، ثم الولايات المتحدة 15.2%، والصين 14.7%، والاتحاد الأوروبي 9.2%.


ويعكس ذلك قوة الطلب العالمي على الإلكترونيات والمعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب المعادن والآلات ومكونات سلاسل الإمداد التكنولوجية.


الشرق الأوسط يدفع ثمن اضطراب هرمز

في المقابل، كان الشرق الأوسط من أكثر المناطق تأثراً بالصراع وتعطل حركة التجارة.


وتشير تقديرات منظمة التجارة العالمية إلى أن أحجام صادرات المنطقة انخفضت بنحو 9.7% على أساس سنوي خلال الربع الأول، بينما تراجعت الواردات بنسبة 11.9%، مع توقعات بأن تكون التداعيات أكثر وضوحاً في بيانات الربع الثاني، لأن الصراع بدأ في الجزء الأخير من الربع الأول.


وتشير تقديرات المنظمة إلى أن واردات العالم من النفط الخام القادم من الشرق الأوسط انخفضت بنحو 45% على أساس سنوي في مارس، بينما تراجعت واردات الغاز الطبيعي المسال بنحو 52%، والأسمدة بنسبة 26%.


وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن مضيق هرمز يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وبالتالي فإن أي تعطّل طويل لحركة الملاحة عبره لا يؤثر على الدول المصدرة فقط، بل يمتد تأثيره إلى تكاليف النقل والطاقة والإنتاج في الاقتصادات المستوردة للوقود.


لماذا لم تنهَر التجارة العالمية؟

الإجابة الرئيسية تكمن في إعادة توزيع الطلب العالمي.


ففي الوقت الذي تراجعت فيه تجارة بعض القطاعات التقليدية، ارتفع الطلب على السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية بصورة استثنائية.


وأظهرت بيانات منظمة التجارة العالمية أن تجارة المواد الكيميائية انخفضت 6%، والحديد والصلب 5%، والوقود 3% بالقيمة خلال الربع الأول، بينما ارتفعت تجارة الخامات والمعادن الأخرى 27%، والآلات الأخرى 9%، ومعدات المكاتب والاتصالات 44%.


بعبارة أخرى، لم تختفِ صدمات التجارة العالمية، وإنما جرى تعويض جزء منها من خلال انتقال قوي في الطلب نحو التكنولوجيا.


الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سلاسل الإمداد

اللافت أن تأثير الذكاء الاصطناعي لم يتوقف عند قطاع أشباه الموصلات.


فالتوسع في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة يرفع الطلب على الرقائق، والخوادم، والشبكات، والمعدات الكهربائية، والمعادن الحيوية، والنحاس، والطاقة، وهو ما يخلق سلسلة متشابكة من التأثيرات تمتد من المناجم والمصانع إلى الموانئ وشركات الشحن ومراكز البيانات.


وتؤكد بيانات الأونكتاد UNCTAD الصورة نفسها؛ إذ تشير إلى أن التجارة العالمية للسلع بلغت نحو 13.7 تريليون دولار خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 12.5% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مع استمرار شرق آسيا كمحرك رئيسي للتوسع التجاري. كما ارتفعت تجارة المعادن الحيوية 38%، وأشباه الموصلات 25%، والبطاريات 15%، ومنتجات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 14%.


لكن الأونكتاد يحذر في الوقت نفسه من أن جزءاً من الزيادة في القيمة التجارية يرجع إلى ارتفاع الأسعار وليس بالضرورة إلى زيادة مماثلة في الكميات، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي مواصلة إنقاذ التجارة العالمية؟

هنا تكمن نقطة التحول الأساسية.

فمنظمة التجارة العالمية كانت قد توقعت في مارس 2026 نمو حجم تجارة السلع العالمية بنحو 1.9% خلال العام بأكمله في السيناريو الأساسي، بينما جاء النمو الفصلي في الربع الأول عند 1.9% بالفعل، وهو ما يعكس أداءً أقوى من المتوقع في بداية العام.


لكن المنظمة تحذر من أن استمرار الصراع وارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يضغطا بقوة أكبر على التجارة خلال الفصول المقبلة، خاصة أن بيانات الربع الأول لم تعكس سوى جزء محدود من التأثير الحقيقي لتعطل الملاحة في مضيق هرمز.


وتتوقع المنظمة أن تظهر التأثيرات الكاملة للاضطرابات بصورة أكبر في بيانات التجارة اعتباراً من أبريل 2026، مع احتمال تسجيل انكماش أكبر في تجارة الشرق الأوسط، بالتزامن مع استمرار قوة التجارة في آسيا وأمريكا الشمالية.


معادلة التجارة العالمية الجديدة

تكشف أرقام الربع الأول من 2026 عن معادلة اقتصادية جديدة:

الطاقة والنقل والصراعات الجيوسياسية تضغط على التجارة من جانب، بينما الذكاء الاصطناعي والاستثمار التكنولوجي يدفعانها من الجانب الآخر.

وهذا يعني أن مستقبل التجارة العالمية لن يتحدد فقط بمعدلات الطلب التقليدية على النفط والسلع الصناعية، وإنما بصورة متزايدة بقدرة الاقتصاد العالمي على تمويل وتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

لكن استمرار هذا التعويض ليس مضموناً؛ فإذا طال أمد اضطرابات الطاقة والشحن وارتفعت تكاليف الإنتاج والنقل بصورة أكبر، فقد تصبح قدرة قطاع التكنولوجيا على تعويض خسائر القطاعات التقليدية محدودة.


تحول عميق في محركات الاقتصاد الدولى

لم تمنع الحرب واضطرابات مضيق هرمز التجارة العالمية من النمو في الربع الأول من 2026، لكنها كشفت عن تحول عميق في محركات الاقتصاد الدولي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قصة تكنولوجية، بل أصبح قوة تجارية وصناعية تعيد رسم مسارات الطلب والاستثمار وسلاسل الإمداد، بينما تتحول آسيا إلى مركز رئيسي لهذا الاقتصاد الجديد.


بيانات رئيسية

  • 1.9% نمو حجم التجارة العالمية في الربع الأول من 2026 مقارنة بالربع السابق
  • 3.2% نمو حجم التجارة على أساس سنوي
  • أكثر من 40% نمو تجارة السلع المُمكِّنة للذكاء الاصطناعي بالقيمة
  • 44% نمو تجارة معدات المكاتب والاتصالات
  • 45% انخفاض واردات العالم من النفط الخام القادم من الشرق الأوسط في مارس على أساس سنوي
  • 52% انخفاض واردات الغاز الطبيعي المسال من المنطقة
  • 26% انخفاض واردات الأسمدة
  • 12.9% نمو صادرات آسيا سنوياً
  • 14.6% نمو واردات آسيا سنوياً
  • 20% نمو صادرات آسيا بالقيمة خلال الربع الأول
  • 38.4% نمو صادرات كوريا الجنوبية

المصدر: منظمة التجارة العالمية WTO، وبيانات WTO/UNCTAD، مع الاستفادة من أحدث تحديثات التجارة العالمية الصادرة في يوليو/أغسطس 2026.