السبت، 9 مايو 2026

كيف كانت الزحمة تلتهم 8 مليارات دولار سنويًا ؟ .. قصة خسائر مصر قبل "ثورة الطرق والنقل" بقلم/ أحمد فرغلى


 بقلم / أحمد فرغلى 

المشهد الاقتصادي لا يُقرأ دائمًا من زاوية الإيرادات المباشرة فقط، فهناك خسائر صامتة قد تستنزف مليارات الدولارات سنويًا دون أن يشعر بها المواطن بشكل مباشر. ومن بين أبرز هذه الملفات، جاءت أزمة الازدحام المروري في مصر، التي تحولت لسنوات طويلة إلى عبء اقتصادي ضخم يلتهم الوقود والطاقة والوقت والإنتاجية ...

في عام 2010، أصدر تقريرًا وصفه كثيرون بـ«الصادم»، كشف أن مصر كانت تخسر سنويًا نحو 8 مليارات دولار بسبب الازدحام المروري والاستهلاك السلبي للطاقة. ووفقًا للتقديرات وقتها، فإن هذا الرقم كان يعادل ما يقرب من ثلاثة أضعاف إيرادات قناة السويس في تلك الفترة، ما يعكس حجم النزيف الاقتصادي الناتج عن أزمة المرور.


الأمر لم يكن مجرد أرقام نظرية، بل انعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين.

 

فالمشوار الذي كان يمكن إنجازه في عشر دقائق، كان يمتد أحيانًا إلى ساعتين كاملتين بسبب الاختناقات المرورية. ونتيجة لذلك، كانت السيارات تستهلك كميات مضاعفة من الوقود دون أي إنتاجية حقيقية.


وبلغة الأرقام، إذا كانت سيارة ما تحتاج إلى لترين من البنزين لإتمام رحلة معينة في الظروف الطبيعية، فإنها قد تستهلك 6 لترات أو أكثر بسبب التوقف المستمر والزحف البطيء داخل الشوارع المزدحمة، أي أن أكثر من 60% من الطاقة كان يُهدر فعليًا بسبب غياب بنية تحتية مرورية متطورة ووسائل نقل جماعي حديثة.


ومع الزيادة السكانية الكبيرة التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، يصبح من المنطقي تصور أن حجم الخسائر كان مرشحًا للتضاعف إذا استمرت الأوضاع القديمة دون تطوير. ففي عام 2010 كان عدد سكان مصر يقترب من 80 مليون نسمة، بينما ارتفع العدد اليوم بصورة كبيرة، وهو ما يعني ضغطًا أكبر على الطرق وشبكات النقل والخدمات.


ومن هنا، جاءت فلسفة التوسع في مشروعات البنية التحتية والنقل الحديثة، والتي شملت إنشاء محاور وكباري وطرق جديدة، إلى جانب تنفيذ مشروعات قومية ضخمة مثل المونوريل، والقطار الكهربائي السريع، والأتوبيس الترددي، واستكمال خطوط مترو الأنفاق، خاصة الخط الرابع.


وبحسب تقديرات متداولة، فإن تكلفة هذه المشروعات، رغم ضخامتها، تبقى أقل بكثير من حجم الخسائر السنوية التي كانت تتحملها الدولة بسبب الزحام المروري. فلو استمرت معدلات النزيف الاقتصادي بنفس الوتيرة منذ 2011 وحتى اليوم، لكانت مصر قد خسرت ما يزيد على 130 مليار دولار، وذلك دون احتساب الزيادة المرورية والسكانية التي حدثت خلال تلك الفترة.


لذلك، يرى مؤيدو مشروعات البنية التحتية أن الإنفاق على النقل والطرق لم يكن مجرد «إنفاق على الأسمنت»، كما يردد البعض، بل كان محاولة لتقليل خسائر اقتصادية ضخمة، وتحسين كفاءة الحركة والإنتاج، وربط أنحاء الجمهورية بشبكات نقل حديثة قادرة على دعم التنمية والاستثمار.


وفي النهاية، تبقى القضية أبعد من مجرد إنشاء طرق أو وسائل نقل جديدة؛ فهي ترتبط بإدارة الوقت والطاقة والموارد الاقتصادية للدولة. فالدول الحديثة لا تنظر إلى البنية التحتية باعتبارها رفاهية، بل باعتبارها استثمارًا يحمي الاقتصاد من خسائر مستمرة، ويمهد الطريق لنمو أكثر كفاءة واستدامة.


🔵 تابع المزيد من التحليلات والمحتوى للكاتب عبر 

صفحة Ahmed Farghaly على Facebook